أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
614
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
إنّ « جَعَلَ » هنا بمعنى « بيّن » و « حكم » ، وهذا ينبغي أن يحمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة ؛ إذ لم ينقل أهل العربية أنها تكون بمعنى بيّن ولا حكم ، ولكن يلزم من الجعل البيان ، وأمّا « الْبَيْتَ » فانتصابه على أحد وجهين : إما البدل وإما عطف البيان ، وفائدة ذلك أن بعض الجاهلية - وهم خثعم - سمّوا بيتا الكعبة اليمانية فجيء بهذا البدل أو البيان تبيينا له من غيره . وقال الزمخشري : « الْبَيْتَ الْحَرامَ » عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح كما تجيء الصفة كذلك » . واعترض عليه الشيخ « 1 » بأن شرط البيان الجمود ، والجمود لا يشعر بمدح ، وإنما يشعر به المشتقّ ، ثم قال : « إلا أن يريد أنه لمّا وصف البيت بالحرام اقتضى المجموع ذلك فيمكن » . والكعبة لغة : كلّ بيت مربع ، وسمّيت الكعبة كعبة لذلك ، وأصل اشتقاق ذلك من الكعب الذي هو أحد أعضاء الآدمي . قال الراغب : « كعب الرجل » [ العظم ] الذي عند ملتقى الساق والقدم ، والكعبة كلّ بيت على هيئتها في التربيع ، وبها سمّيت الكعبة ، وذو الكعبات : بيت كان في الجاهلية لبني ربيعة ، وامرأة كاعب : تكعّب ثدياها » وقد تقدّم القول في هذه المادة أول السورة « 2 » . والجمهور قرؤوا هنا : « قِياماً » بألف بعد الياء ، وابن عامر : « قيما » دون ألف بزنة « عنب » ، والقيام هنا يحتمل أن يكون مصدرا ل « قام - يقوم » والمعنى : أنّ اللّه جعل الكعبة سببا لقيام الناس إليها ، أي لزيارتها والحجّ إليها ، أو لأنّها يصلح عندها أمر دينهم ودنياهم ، فيها يقومون ، ويجوز أن يكون القيام بمعنى القوام فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، كذا قال الواحدي ، وفيه نظر إذ لا موجب لإعلاله إذ هو ك « السّواك » فينبغي أن يقال : إن القيام والقوام بمعنى واحد ، قال : 1820 - * قوام دنيا وقوام دين « 3 » فأمّا إذا دخلها تاء التأنيث لزمت الياء نحو : « القيامة » . وأمّا قراءة ابن عامر فاستشكلها بعضهم بأنه لا يخلو : إمّا أن يكون مصدرا على فعل . وإما أن يكون على فعال ، فإن كان الأول فينبغي أن تصحّ الواو ك « حول » و « عور » ، وإن كان الثاني فالقصر لا يأتي إلا في شعر . وقد تقدّم تحقيقه أول النساء « 4 » . قوله : وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ عطف على « الْكَعْبَةَ » ، والمفعول الثاني أو الحال محذوف لفهم المعنى أي : جعل اللّه أيضا الشهر والهدي والقلائد قياما . و « ذلِكَ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه خبر مبتدإ محذوف أي : الحكم الذي حكمناه ذلك لا غيره . والثاني : أن مبتدأ وخبره محذوف أي : ذلك الحكم هو الحقّ لا غيره . الثالث : أنه منصوب بفعل مقدّر يدلّ عليه السّياق أي : شرع اللّه ذلك ، وهذا أقواها لتعلّق لام العلة به و « تعلموا » منصوب بإضمار « أن » بعد لام كي ، لا بها . و « أَنَّ اللَّهَ » وما في حيّزها سادّة مسدّ المفعولين أو أحدهما على حسب الخلاف المتقدم . و « أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » نسق على « أَنَّ » قبلها .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 25 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 6 ) . ( 3 ) البيت لحميد الأرقط انظر مجاز القرآن ( 1 / 177 ) ، البحر ( 4 / 25 ) ، الطبري ( 11 / 90 ) . ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 5 ) .